السيد محمد حسين فضل الله

73

من وحي القرآن

واضحة . وهكذا كان منسجما مع خط الإيمان عندما نادى نداء المتوسل المستفهم ، وكان الرّد الإلهيّ منسجما مع ما أراده اللَّه له من العصمة ، كأسلوب من أساليب تربية اللَّه لأنبيائه ليمنع عنهم الانحراف العاطفيّ ، قبل حدوثه ، إذا ما كانت الأجواء جاهزة لذلك ، لولا لطف اللَّه بهم ، وقد تكون الشدّة في الردّ لونا من ألوان التأكيد على ذلك . وكان الانسجام النبويّ مع خط التربية الإلهيّ رائعا في التعبير عن روحية الخضوع والخشوع بالكلمات المستغفرة المسترحمة الخائفة من الخسران ، خشية أن يكون في هذه الحالة المستفهمة المتأمّلة بعضا من ذنب ، وإن لم يكن ذنبا ، أو بعضا من تمرّد ، وإن لم تكن كذلك ، ومن الطبيعي ألّا يبتعد ذلك عن خطّ النبوّة المستقيم الذي عاش العمر كله جهادا في سبيل الدعوة إلى اللَّه ، تحت رعاية اللَّه ، ووقف الآن في خط الاستقامة محاولا إخضاع كل عواطفه لروحيتها بتوفيق اللَّه وبرحمته . مهبط السلام قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ فقد منحه اللَّه نعمة السلام الروحيّ المتمثل في الطمأنينة النفسية التي تشيع في داخله ، والسلام الإلهيّ الذي يتمثل في رحمة اللَّه المرفرفة حوله . كما أعطاه نعمة البركات الفيّاضة التي تجعل منه عنصر خير ونفع للناس وللحياة من حوله ، وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ أي واهبط أنت وأمم معك بسلام منا وبركات ، لأنهم اتبعوك وآمنوا بك ، وشاركوك في خط جهادك الطويل ، فكان لهم من الخير والثواب ما كان لك ، وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ وهذه جملة مستأنفة تشير إلى أن المستقبل سيتمخّض عن أمم